🔴 محمود ياسين.. “وجوه عدة لممثل واحد”


محمود ياسين“التليفزيون العربي يقدم.. من مسرح الجيب.. سهير البابلي ومحمود ياسين في ليلى والمجنون”، لوحة أولى في التسجيل التليفزيوني للمسرحية التي ألّفها صلاح عبدالصبور، وأخرجها عبدالرحيم الزرقاني.

يقف ياسين في ليالي العرض التي سُجلت إحداها، يقول وكأنما حمل في لسانه الطلاقة وفي قلبه حزن الأرض.. “يأتي من بعدي مَن يعطي الألفاظَ معانيها.. يأتي من بعدي مَن لا يتحدث بالأمثال.. إذ تتأبَّى أجنحة الأقوال.. أن تسكن في تابوت الرمز الميت.. يأتي من بعدي مَن يبري فاصلةَ الجملة.. يأتي من بعدي مَن يغمس مدَّاتِ الأحرف في النار.. يأتي من بعدي مَن ينعى لي نفسي.. يأتي من بعدي مَن يضع الفأسَ برأسي.. يأتي من بعدي مَن يتمنطق بالكلمة.. ويغنِّي بالسيف”!

يمكن أن تصدق أن الرجل نفسه الذي قال هذه الكلمات على لسان سعيد بطل المسرحية، يغازل أوجيني في مسرحية “الخديوي”، أو أنه من ظهر في “ليلة مصرع غيفارا”، و”وطني عكا”، و”وا قدساه”، وغيرها.

وربما ستصدق أن الرجل نفسه، كان الراوي والمعلق في الفيلم العالمي “الرسالة”، لكنك إن تغيرت وجهتك عن الفصحى ستجد أنك أمام شخص آخر.

وفي فيلم “الستات”.. يجلس رئيس التحرير (عزمي) وزوجته على النيل، يحاول أن يسألها عن بداية قصة حبهما، ويتابع حين تتحول دفة الحديث إلى مطالبة زوجته بالعمل قائلًا: “سهير.. إحنا جايين نروق دمنا، ونهدي أعصابنا مش نفتح فواتيح من أول وجديد”، حينها تتعاطف مع الرجل الذي يحاول التحايل على زوجته حتى وإن كنت لا تناصره القضية نفسها، وتضحك لأنه ربما قام بالعمل نفسه مرة أو مرات.

في فيلم آخر هو “الشريدة” تصدق ياسين في دور “فتحي”، المقاول الأمي الثري، الذي يتزوج ليلى الفقيرة، ويدعمها بماله حتى تفتتح مكتبًا للمحاماة، في أحيان تصدر ليلى لزوجها إحساسًا بالدونية، فيشعر بخيبة الأمل على الحب والزواج والمال الذي أنفق، لكن في النهاية تعترف زوجته أنها دونه شريدة.

وأنت تتنقل بين وجوه ياسين الفصيح منها والعامي الدارج، تعرف أنك هُزمت حين هُزم في عام 1967، وانتصرت مع انتصاره في أكتوبر 1973، وإن كانت إمكانات السينما لم تكن بالحداثة التي نشهدها الآن فأنت تصدقه.. وتصدق وعده بأن “الرصاصة لا تزال في جيبه”.

إلا أن كل هذه الوجوه، قد صمتت ألسنتها اليوم، العامي الدارج منها والفصيح الراقي، الخديوي والصحفي والعامل والمقاول، وأسلم صاحبها الروح لبارئها بعدما بلغ الـ79، صنع فيها مجدًا بـ150 فيلمًا وأكثر من 20 مسرحية، وأكثر من 14 مسلسلًا إذاعيًا، و65 مسلسلًا دراميًا، وعدة أعمال أخرى تنوعت بين الأوبريتات والتعليق الصوتي في المناسبات.. اليوم توفي محمود ياسين.